الأحد، 13 أكتوبر 2013

نظرة في الفكر الانساني



بقلم : يسار محمد الدرزي
    التفكير هو عبارة عن نشاط عقلي يسعى لحل مشكلة أو تفسير موقف غامض أو لمعرفة العلاقة بين أفعال الانسان ونتائجها إذن لابد من وجود قضية تثير في الانسان الحاجة أو الدهشة أو الشك ليبدأ الانسان بالبحث عن حلول أو تفسيرات لها بواسطة عمليات التفكير المختلفة وهي خاصة به ، أما الحيوان فسلوكه آلي محدود لسد حاجة الجوع والعطش عنده .
   ويتدرج الانسان في موضوعاته الفكرية تبعا لحاجاته فيبدأ بالتفكير بسبل إشباع حاجاته اليومية الاساسية كالجوع والعطش والكسوة والمسكن والجنس والعلاج  وهي مرحلة التفكير الخدمي ، لذا تعمل الحكومات الفاسدة على مر التاريخ على حصر تفكير عامة الشعب في هذه المرحلة لاستنزاف طاقاتهم الذهنية والجسدية في سد متطلبات عيشهم الاساسية . ثم ينتقل الانسان بفكره الى المرحلة الثانية وهي مرحلة المباديء والمعتقدات حيث يبدا بالتفكير في موقعه في المجتمع بماله من حقوق وما عليه من واجبات وفي نوع نظام الحكم الذي يخضع له ويعيش في كنفه..   ثم ينتقل الى المرحلة الثالثة وهي مرحلة التفكير الفلسفي  بالبحث عن العلل  العقلية للمباديء والمعتقدات بالتفكير بالمعاني الاساسية للحياة كمفاهيم الخير والشر والجمال والحرية وعلاقة العقل بالجسد وغيرها من الموضوعات الفكرية  ، وبهذه المرحلة يسمو الانسان بفكره الى حالة التأمل في معاني الوجود المادية والروحية ، وهي المرحلة التي يعيشها المفكرون من فلاسفة وسياسيين لامعين ورجال قانون متبحرين ومثقفين موسوعيين .
   إذن الانسان يتدرج في مستوى تفكيره من سطح الحياة الى عمقها المادي والنفسي .. وللتفكير طبيعة معنوية داخلية في عقلنا فاي موضوع نحاول الحديث عنه والتفكير فيه يجب أن نكون له صورة متكاملة في داخل عقولنا ثم نحاول التعبير عنه لأخراجه الى العالم الخارجي بأستخدام اللغة بشكل جيد ودقيق ، ولغتنا العربية هي اللغة الوحيدة التي حافظت على مفرداتها الاصيلة ولم تتغير منذ أكثر من1400 سنة كغيرها من اللغات العالمية ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد حفظها لنا بكتابه العزيز القران الكريم ، فأصبح فهم الدين الاسلامي مرتبط بمدى إتقان المسلم للغته العربية ، لذا أعتقد بأن افضل لغة تصلح لتدوين الفكر الانساني هي اللغة العربية لانها خالدة خلود الاسلام على وجه الارض .
    والتفكيرالانساني يعتمد على ذكاء الانسان الوراثي وبيئته  واعراف مجتمعه وتقاليده التي نشأ فيها ومستوى تطورها الفكري .. وهناك اساليب مختلفة  للتفكير الانساني جميعها تجمع على أن لكل نتيجة سبب ولكل ظاهرة طبيعية أو إجتماعية علة ولكن تختلف في تحديد نوع السبب أو العلة .
     فالتفكير الخرافي يفسر الظواهر أو النتائج بعلل واسباب خيالية وهمية خرافية ، وهو تفكير سطحي يعتمد على الحواس ويسود في المجتمعات البدائية .. وهناك التفكير النقلي أو التقليدي أو الاقتباسي وهو يعتمد على أفكار وتحليلات وآراء الغير من القدماء كعلماء ومفكرين وعلى ماألفه الانسان في حياته الاجتماعية ، بأعتبارها حقائق مطلقة الصحة فكل ما يخالفها هو خاطيء ، وهذا التفكير هو إرث الانسان العقلي الذي يبني عليه تصوراته وآراءه في قضايا الحياة المتعددة المادية والاجتماعية . لذا فنحن نحكم على الاشياء والحوادث والظواهر وفق ماالفنا حصوله ، فاي خارج عن المألوف هو غير معقول وغير ممكن التصديق وبهذا وضعنا لعقولنا حدودا لاتتعداها لاننا نعتمد على أفكار وتعليلات القدماء التي نشأنا عليها فنستشهد بها لتدعيم آراءنا في الاقناع والاقتناع ولذلك كثيرا ما نحارب ما هو جديد ومخالف لاعرافنا دون التحقق من فوائده ومضاره في الواقع .. لذا فأن هذا التفكير قد يقود المجتمع الى الجمود في حالة كون بعض التحليلات والاراء القديمة  هي خاطئة ولكننا مستمرون بالاعتماد عليها دون مراجعة  لمدى صحتها ، أوقد تبرز قضايا فكرية جديدة  لم تكن موجودة سابقا فلا يمكن تحليلها بالاعتماد على موروثنا الفكري . ومن ذلك ما تعلل به المشركون في مكة عندما سئلوا عن سبب عبادتهم للاصنام فقالوا : هذا ماوجدنا عليه آباءنا ، دون أن يفكروا في انها لاتنفع ولا تضر .. لذا فأي تجديد فكري يحدث في اي مجتمع يجب إما أن ينبع أو يتوافق مع  اسلوب التفكير السائد في المجتمع أو قدلا يتوافق فيلقى حينها معارضة من قبل المتمسكين بالاصول الفكرية القديمة للمجتمع ،  وهنا تبرز معانات المجددين من المفكرين سواء أكانوا محقين أم مخطئين فيما أتوا به من أفكار جديدة  .
    وهناك التفكير باستخدام طريقة القياس العقلي بأعتماد قواعد كلية كأصول تتفرع منها الفروع وتقاس عليها ، كالقول مثلا : الانسان كائن عاقل . كأصل أو قاعدة فكرية ، فعندما يقول شخص : زيد  إنسان ، إذن القياس العقلي يكون  : ( زيد  كائن عاقل ). حيث يشترك الاصل والفرع بنفس العلة .. هذا التفكير قاد الفلاسفة الى محاولات وضع الاصول الفكرية للانسان بتحديد معاني الخير والشر والعدالة والجمال  والفضيلة وغيرها وتعددت آراء الفلاسفة  في هذه الموضوعات بتعدد نظرتهم الى الحياة .. ولايستطيع أحد أن ينكر  بأن الفلسفة نجحت في تحطيم الفكر الخرافي الذي كان يسود أوربا في قرونها الوسطى المظلمة ، والذي لازالت بعض آثاره موجودة في المجتمعات المتخلفة ، ولكن الاقتصار على طريقة القياس العقلي فحسب ، أدى الى إهمال التجربة الميدانية والاكتفاء بالقياس العقلي للفروع على الاصول مما أدى الى إنعزالية الكثير من المفكرين عن المجتمع لاهمالهم التجربة الاجتماعية الميدانية  والى تخلف في المجال العلمي لاهمال التجربة العلمية .. ولتوضيح ماذكرنا نذكر قصة لكاتب تحدث فيها عن جده وكان شخصا متعلما يسترشد الناس قديما بآرائه  ، وفي أحد الايام قبل الحرب العالمية الاولى جاء اليه بعض الناس يسألونه عن صحة خبر سمعوه وهو أن الغرب قد إخترعوا طائرة مصنوعة من الخشب والحديد تطير في السماء مثل الطيور فهل هذا ممكن ؟ فأخذ الرجل مطرقة مصنوعة من الخشب والحديد ورماها في الهواء فسقطت على الارض ، فقال لهم : بطريقة القياس العقلي : بما أن  الخشب والحديد لايطير كما رايتم فكذلك الطائرة المصنوعة منهما لايمكن ان تطير ، فصدقوه الناس وكذبوا الخبر الذي سمعوه...  وهذا هو الفرق بين التفكير الشرقي والغربي ،  فالغرب إعتمد على التفكير العلمي  وكان سبب  تطوره  ، بالبحث عن الاسباب والعلل المادية للنتائج والظواهر ، ثم إجراء التجارب على هذه العلل والاسباب لأكتشاف حقيقتها وكيفية تأثيرها بالاحداث ولمعرفة إمكانية التحكم بها والسيطرة عليها ، وباستخدام الملاحظة والتجربة تمكن  من إبتكار وإختراع السيارات والطائرات وغيرها وتمكن من علاج الكثير من الامراض.
    إن النجاح العلمي لاتحدثه الصدفة بل الدراسة العلمية والفرضيات التي يتم إختبارها بالتجارب ، وملاحظة نتائجها وتحليلها وصولا الى الحقيقة  ، وسبق لي أن عملت في مجال البحوث العلمية الالكترونية ، فوجدت أن نجاح التجربة العلمية  غير كاف ، إذا لم يتم تحليل الاسباب العلمية الموضوعية التي قادت الى نجاحها ، كي يمكننا تطوير هذه التجربة والاضافة إليها وإستخدامها في مجالات أخرى ..
    ومن الجدير بالذكر أن علماء العرب سبقوا الغرب في إبتكار أسلوب التفكير العلمي المستند على الملاحظة والتجربة ،  فقد إستخدمه جابر بن حيان والحسن بن الهيثم وغيرهم من العلماء ، لكن فترات السبات الفكرية التي مر بها عالمنا الاسلامي ، كان لها الاثر الكبير في إهمال الكثير من إبداعات علمائه الافذاذ ومنها  اسلوب التفكير العلمي.
    بهذا قطع الانسان شوطا واسعا في تطوره العقلي من مرحلة الخرافة والطفولة الى حالة النضوج ، وبهذا نظر الانسان الى أن لكل سبب نتيجة مرتبطة به بعلاقة وهناك ظروف تحيط بالسبب والنتيجة تشكل شروطا لتحققها ، واضاف الفكر الديني الى هذا المبدأ القدرة الالهية لتعليل حدوث المعجزات التي ظهرت على أيدي الانبياء تاييدا لرسالاتهم السماوية .. فالله سبحانه وتعالى يخلق  لكل سبب نتيجة وفي حالة المعجزة والتي هي خرق لاعراف البشر ، يعطل الله سبحانه وتعالى الاسباب ، فمثلا عندما القي سيدنا ابراهيم عليه السلام في النار لم يحترق وكانت بردا وسلاما عليه ، وهنا تعطلت قدرة النار على الاحراق بعونه تعالى .
    لذا فأن معجزات الانبياء قادت العقل الانساني الى الايمان بالغيب الحقيقي لان الاسباب المادية تعطلت فلم يبق غير أخبار الانبياء عن القدرة الالهية التي لاتعلوها قدرة .
   إن ما يجهله الانسان أكبر بكثير مما يعلمه عن الحياة بمعانيها المادية والروحية ، وهذا ما يحفز العلماء والمفكرين على مواصلة الدراسة والاستكشاف ، ومما يزيد من تواضعهم للعلم ومن تقبلهم للنقد ومن تسامحهم مع الاراء المخالفة لآرائهم ، وماذاك إلا خدمة للعلم الذي لاينتصر في النهاية إلا للحقيقة التي نسعى جميعا للوصول إليها .

الاثنين، 7 أكتوبر 2013

يسار محمد قاسم ... سيرة ذاتية



بسم الله الرحمن الرحيم




الاستاذ :  يسار محمد قاسم
 ·        مهندس وكاتب
·        ولد سنة 1974م  في مدينة الموصل العراقية.
·        بكلوريوس هندسة كهرباء من جامعة الموصل  عام 1998.


مؤلفاته :
1_ نظرات في روح العصر _ صدر عام 2005
2_ مدارات الفكر الانساني – صدر عام2009م .
3- من قضايا الفكر المعاصر _ ( مخطوط)
4- الإعلام الإسلامي .. رسالة ومسؤولية – (مخطوط)
5- أصول الصحافة - (مخطوط ).

شهادات وتقييمات :
1.  حصل على المرتبة الاولى في مسابقة ( القصة العراقية القصيرة) للناشئة في بغداد عام 1986م.
2. أختيرت قصته (امجاد بين الوهم والحقيقة ) كأفضل قصة كتبت حديثا في جريدة فتى العراق ،وتم الاعلان عنها في ندوة القصة القصيرة التي أقامها مركز دراسات الموصل التابع لجامعة الموصل ، ونشر الخبر في مجلة موصليات العدد(28) لسنة2009 ..ص25
3. إختارت إذاعة الـ(بي بي سي BBC ) مقاله ( الاعلام والمجتمع ) من أفضل المقالات الفكرية العراقية لعام 2003 ، مع توجيه رسالة تقدير وإعجاب من مسؤولة قسم الاعلام في القناة ( جين كوستن ) تعقيبا على المقال ، وتم نشرها في جريدة الحدباء اليوم العدد(33) لسنة2004م.ص8 .
4. وجه له شكر في مقدمة بعض الكتب التي رفدها بمعلومات مهمة منهـا كتاب ( دليل الصحف العراقية ) وكتاب ( موسوعة علماء الموصل)ج1 .
5. منح كتاب شكر وتقدير من جريدة فتى العراق عام2008م وهي اقدم صحيفة في مدينة الموصل تأسست عام1934م ، وذلك لجهوده المتميزة في مجال التحرير الصحفي .
6. منح شهادة تقديرية مع درع برونزي من قبل ندوة مصابيح الهدى العلمية سنة2008م ، ذلك لجهوده المتميزة في مجالي الصحافة والاعلام .
7. منح شهادة تقديرية من هيئة الحج والعمرة في الموصل ، وذلك لقيامه بإلقاء محاضرة بعنوان ( الإعلام الإسلامي وأدبيات الأتصال ) ، مع تهيئة المستلزمات الأعلامية اللازمة لإقامة دورتين لمرشدي ومتعهدي الحج والعمرة في كلية الإمام الأعظم عام2012م.
8. منح كتاب شكر وتقدير من هيئة الحج والعمرة في الموصل ، وذلك لإعداد ومونتاج ( أول قرص عراقي عن تاريخ مكة المكرمة ومناسك العمرة )،عام2012م.
9. منح شهادة شكر وتقدير من نقابة الصحفيين العراقيين فرع نينوى عن جهوده المبذولة في دعم انشطة النقابة عام2010.
10. منح شهادتي شكر وتقدير من نقابة الصحفيين العراقيين فرع نينوى عن جهوده المبذولة في دعم انشطة النقابة عام2011.
11. منح كتاب شكر وتقدير من شركة الكندي العامة عام2011م ، وذلك لجهوده المتميزة في مجال نشر الأخبار العلمية وعمل التحقيقات الصحفية .


البريد الالكتروني yassar_mohammed @yahoo. Com
yassar_aldarzi2@yahoo.com



الاثنين، 9 سبتمبر 2013

الوحي الالهي ... مصدر الحقائق العظمى .





بقلم : يسار محمد قاسم
   الفكر الانساني هو نتاج تجارب الاجيال السابقة التي وصلت إلينا عن طريق القراءة أو السماع ، ويتعزز بأضافة تجارب الاجيال الحاضرة  إليه وبالحوار المولد  للعمل الجماعي ، ولكن هذا لايعني أن العقل هو المصدر الوحيد  للوصول الى الحقيقة وإلا نكون قد حصرنا المعرفة الانسانية بالمحسوسات ، بل هناك طريق آخرهو الوحي الالهي المتمثل بالرسالات السماوية فهي التي أطلعتنا على الغيبيات التي عجز العقل عن الوصول إليها وحده فأجابت على أسئلة حيرت الانسان منذ القدم وهي : ماهو أصل الانسان ؟ وهل الانسان كائن عاقل وحيد في الكون أم أن هناك إله أزلي كامل الصفات أوجده ؟ وماهي صفات هذا الخالق العظيم ؟ وماهو الطريق لأرضائه أو إسخاطه  ؟ ولماذا تنتهي حياة الانسان  ؟ وهل هناك حياة بعد الموت أم لا ؟ وهل للكون نهاية ومتى؟   . .. أسئلة  تقع أجاباتها في عالم الغيب ، لهذا حيرت الانسان وتعددت تفسيرات الاديان الوثنية في الاجابة  ، أما الاديان السماوية فقد إتفقت  إجاباتهالأتفاق السراج الذي صدرت منه وهو الله جل في علاه ، وجميع تلك الاسئلة كان للأجابة عليها جانبان روحي ومادي مما يدلنا على أن الحياة لاتستقيم إلا بالموازنة بينهما ... ومع أن إدراك الذات ثم المحيط الذي يعيش فيه الانسان هو قاعدة الانطلاق العلمي السليم  في الحياة، إلا أن العقل الانساني محدود بالمحسوس من الموجودات التي عرفها او اكتشفها وعلى امثالها يقيس ، لذا فإن الحكمة الالهية والرحمة الربانية شاءت أن تخرج الانسان من حيرته وأن تجيبه على كل ما يشغل تفكيره ، وأن تنير طريق الحياة بنظام سماوي لأعمار الارض وتكرم العقل الانساني بتخييره بين الاتباع والثواب وبين العصيان والعقاب ... فأصطفى الله رسلا من خلقه أوحى إليهم أن يبلغوا شرعه للناس كي يكونوا مبشرين بالثواب للمؤمنين ومنذرين بالعقاب للكافرين ، وشهداء على الناس ..
    وكان الوحي هو صيغة إبلاغ الانبياء والرسل بألارادة الالهية  ، ليحملوها كأمانة يقومون بتبليغها لباقي البشر ...
   ولكلمة الوحي عدة معان في اللغة يقول الجوهري في الصحاح ج5 ص1999 :(( الوحي : الاشارة ، والكتابة ، والرسالة ، والالهام ، والكلام الخفي ، وكل ما ألقيته الى غيرك ، يقال وحيت إليه الكلام وأوحيت ، وهو أن تكلمه بكلام تخفيه ... ووحى وأوحى أيضا ، أي كتب .. وأوحى الله الى أنبيائه ، أي اشار قال تعالى :( فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ) سورة مريم آية11 .))... إذن الوحي هو رسالة إلهية الى احد أنبيائه ليبلغها لباقي البشر ، وجميع الكتب السماوية هي رسالات إلهية لأصلاح حال الانسانية، وللوحي  عدة أشكال منها : الرؤيا الصادقة ، أو مايلقيه الملك جبريل عليه السلام في روع النبي صلى الله عليه وسلم أو قد يسمع صوته من غير أن يراه ، أو أن يكون مجيئه كصلصلة الجرس ، أو قد يظهرالملك جبريل عليه السلام  على صورة رجل ، أو قد يكلم الله النبي من وراء حجاب بلا واسطة كما كلم الله موسى عليه السلام ، وهناك أحاديث نبوية تؤكد هذه الصيغ التي يتمثل بها الوحي .
  ولازال بعض المفكرين الغربيين يعتقدون أو يفهمون الوحي على أنه إلهام يحدث لأصحاب النفوس الصافية نتيجة للعزلة والتأمل بالكون ، وليس رسالة سماوية من إله قدير سميع بصير، فيقول الفيلسوف الشهير توماس كارليل في كتابه ( الابطال) ص85 : (( والقرآن لو تبصرون ما هو إلا جمرات ذاكيات قذفت بها نفس رجل كبير النفس بعد أن أوقدتها الافكار الطوال في الخلوات الصامتات وكانت الخواطر تتراكم عليه بأسرع من لمح البصر وتتزاحم في صدره حتى لاتكاد تجد مخرجا ، وقل مانطق به في جانب ما كان يجيش بنفسه العظيمة القوية ....)) .. على الرغم من أن توماس كارليل من أكثر الكتاب المنصفين الذين تناولوا الاسلام كدين سماوي كالمسيحية واليهودية  ، إلا أن فهمه للوحي كان خاطئا في صيغته التي قدمها في كتابه ..
   فالوحي كان  ملك نزل من السماء بأمر خالق الكون ، وليس إلهام داخلي أو علم مكتسب بالرياضة الروحية او البحث العلمي  كما إعتقد ذلك بعض علماء الغرب .. يقول الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه القيم ( الوحي المحمدي ) ص46 :((  الخلاف بيننا وبين هـــؤلاء (  يقصد علماء الغرب) في كون الوحي الشرعي من خارج نفس النبي نازلا عليها من السماء كما نعتقد ، لامن داخلها فأئضا منها كما يظنون ، وفي وجود ملك روحاني مستقل نزل من عند الله عليه صلى الله عليه وسلم ، كما قال عز وجل :( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) الشعراء آية192-195 .))
  وإذا ماتأملنا في الانسان وجدنا  بأن هناك خصائص مهمة لازمته  قديما وحديثا ، هيأته للأيمان بالوحي الالهي  وهي :
أولا : الفكر الانساني يتطلع نحو المطلق والغيب : وهذا النزوع يجعل الفكر الانساني يتجاوز بتفكيره حدود العالم المحسوس الذي يعيش فيه ، لذا فمن العبث ومن التحجيم للعقل البشري أن نحصره في نطاق المحسوسات المكتشفة كما يريد ذلك أنصار المذهب الفلسفي الوضعي، فطريق الدين يختلف عن طريق الفلسفة ، فالفلسفة تقوم على التجرد من اي أفكار أو معتقدات مسبقة وتعتمد على الشك في كل شيء كوسيلة للوصول الى الحقيقة .. أما الدين فيعتمد بعد إقتناع الانسان العقلي والرضا النفسي على الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره ، ويصدق كل ما بلغوه الرسل من شرائع سواء ظهرت حكمتها واسبابها أم إستترت وغابت عنه ، قال تعالى :( فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) سورة النساء - آية65...  فالدين حاكم لامحكوم ، متبوع لاتابع ، كما أن حضارتنا الاسلامية  قامت دعائمها على اساس الوحي الالهي السماوي .
ثانيا : الحياة الانسانية  لها جانبان روحي ومادي : وقد إستطاع العلم الحديث أن يثبت إن الجانب النفسي والروحي في الانسان وثيق العلاقة بجانبه المادي المتمثل بالجسد ، فقسوة الحياة وإبتذال قيمها الاخلاقية وتفكك المجتمع وأنعدام الرحمة المتمثل في عقوق الوالدين ، جعلت أحد كبار الاطباء الماديي التفكير يقتنع بتأثير الجانب الروحي الالهي في الحياة الانسانية ، ففي كتاب ( الله يتجلى في عصر العلم ) لجون كلوفر مونسما ص134 ـ ص135 .. تحدث الدكتور بول أرنست أدولف عن حادثة كان لها وقع كبير في نفسه ، ففي أحد الايام زارته إمرأة عجوز تشكو من كسر في ردفها فقام بمعالجتها ولما تماثلت للشفاء وأثبتت الفحوصات حسن حالتها الصحية العامة ، بدت هذه العجوز فرحة ، لأن إبنتها ستأتي لتأخذها ، ولكن عند زيارة إبنتها لها أخبرتها بأنها غير مستعدة لأخذها الى البيت وستضعها في أحد ملاجيء المسنين ( العجزة ) مما تسبب لهذه الأم  بأحباط  نفسي شديد ، وبعد بضعة ساعات من مغادرة إبنتها للمستشفى  ، بدأت هذه الأم المسكينة بألاحتضار الى أن اسلمت الروح الى بارئها  ، يقول الدكتور بول إرنست عن هذا المرأة العجوز :( إنها لم تمت من كسر في ردفها ، ولكنها ماتت من إنكسار في قلبها ) ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ثالثا : النفس الانسانية تستجيب وتطمئن بالخضوع لأرادة إلهية أزلية عليا :  إن العلم ذو مقاصد مبنية على المصلحة وإشباع الرغبات والشهوات ، وبما أنه مشاع لايختص به شعب أو أفراد دون الاخرين ، لذا فلا سلطان للعلم على النفس البشرية، لأن كل إنسان يرى أن بامكانه إفحام من هو أعلى منه علما حاضرا أو مستقبلا ، ولكنه يقبل الخضوع لقوى غيبية قادرة على نفعه وهي ليست من جنسه ، لذا فسلطان الدين على النفوس أقوى من سلطان العلم والمعرفة .. يروى أن الفيلسوف الرئيس إبن سينا كان متدينا وكان له غلام غير مسلم  معجب بفلسفته ويبالغ في إحترامه وتقديره ، وفي أحد الايام سافر إبن سينا وخادمه الى مدينة أصفهان وفي وقت السحر نادى إبن سينا على الغلام  كي يهيء له ماء الوضوء فلم يجبه لشدة البرد في ذلك اليوم ، ثم كرر عليه النداء عندما سمع أذان المؤذن فأعتذر الغلام لبرودة الجو ، فاراد إبن سينا أن يفهم الغلام بأن سلطان الدين على النفوس أكبر من سلطان العلم ، فقال له : ياغلام أنت خادمي وتحبني وتجلني لعلمي ، ومع هذا  لم تنفذ أمري لك بتهيئة ماء الوضوء ، بينما هذا المؤذن هو فارسي مسلم يصعد الى المنارة وهي اشد الاماكن برودة في المدينة ليؤذن ويدعو الناس الى الصلاة إمتثالا لأمر الله سبحانه بإقامة الصلاة .
  و من الفلاسفة من أدرك  أهمية الاعتقاد الجازم بمنهج  للحياة ، فدعى الى دين عقلي مبتدع من قبله  يقوم بدل الاديان السماوية والوثنية الموجودة في العالم ومنهم الفيلسوف المعروف ( أوجست كونت ) حيث وجد أن التطور البشري خضع لتطور المفاهيم الدينية فإعتقد بضرورة خلق ديانة ملائمة ، ديانة عقلية، ديانة إنسانية ، وهو القائل :(( إذا اردنا مجتمع يسوده النظام من اجل التقدم فيجب أن ننمي لديه ، والى أقصى  حد ممكن ( ديانة  ملائمة ) .... وهذه الديانة أين نجدها ؟ ليس في الماضي ... إن البشر بحاجة الى ديانة عقلية جديدة ...))
  حيث إعتقد أوجست كونت بأن فلسفته الوضعية ستتخذ كدين إذا نجحت في إحلال إيمان علمي ( قابل للبرهنة عليه ) محل  إيمان غيبي ( متمثل  بالمعتقدات غير القابلة للاثبات ) والتي عرفها الانسان عبر تاريخه الطويل منذ فجر الانسانية ، ففلسفته لاتقر بالدين وترى أنه غير علمي لأنه لايخضع للملاحظة والتجربة ، وبالتالي فمذهبه الالحادي يدعو فيه الى عبادة الانسانية ... والانسانية كما نعلم مفهوم عام لايصح أن يعتبر كمقياس لأن مفاهيم الخير والشر والمنفعة والمضرة  نسبية عند البشر ، وهذا النوع من التفكير عبارة عن سفسطة فارغة لطروحات سخيفة بعيدة عن عن الواقع .
       ولا يعقل أن يصدق البشر كل من إدعى النبوة بأنه مرسل من عند الله .. لذا أيد الله سبحانه أنبيائه بالمعجزات الخارقة لعادات وأعراف البشر فيما خبروه وعرفوه ، فأرسل سيدنا موسى الى قوم فرعون الذي شاع في زمانهم السحر وفنونه فأعجزهم  ، وبعث سيدنا عيسى الى قوم عرفوا بالطب فأحيا الموتى وأبرأ الاعمى والاصم بأذنه تعالى ، وبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الى قوم عرفوا بالبلاغة والفصاحة فكان القران الكريم معجزا لهم وقد تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وإنقلبوا صاغرين ، قال تعالى :( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا  فأتوا بسورة من مثله وادعوا  شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) البقرة _ آية23..
   وعلى الرغم من وقوع معجزات خارقة على يد نبينا صلى الله عليه وسلم ذكرتها كتب السيرة منها : إنشقاق القمر بأشارة منه ، ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته يوم الحديبية ، وتكثير الطعام  ببركة دعائه يوم الخندق حيث أطعم ألف رجل بأذن الله سبحانه وتعالى  ، وإبراء المرضى وذوي العاهات بإذن الله، إلا أن  المعجزات الخارقة للسنن الكونية التي أيدالله بها أنبيائه لم يبق منها إلا أخبارها ، كما أنها دليل إثبات ارسال النبي من عند الله سبحانه وتعالى  ولكنها ليست منهجا يتبعه البشر  ،   لذا كان القرآن الكريم هو معجزة الاسلام الكبرى القائمة والشاخصة للعيان في كل زمان ومكان ، لاتنقضي عجائبه وهو  يخاطب العقول والقلوب  معا ، فجاء متوافقا مع تطور الفكر الانساني وملبيا  لأحتياجاته الروحية والمادية   ، وهو باق  كدستور حياة  ، وزادا للمعاد ، و حجة على البشر الى يوم يبعثون ، قال تعالى :( إنا نحن نزلنا  الذكـر  وإنا لــــه لحـافـظــون )الحجر/ آية9 .
    فالقران الكريم أزاح حاجز الغيب عن الماضي ، بذكر أخبار الانبياء والامم السالفة التي كانت مجهولة لايعلمها إلا الله  .. قال تعالى (( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ماكنت تعلمها أنت ولاقومك من قبل هذا فأصبر إن العاقبة للمتقين ) هود _ آية49.
    وأزال حجب الغيب عن المستقبل ، وذكر بأن الروم الذين خسروا إحدى معاركهم مع الفرس سينتصرون عليهم فيما بعد، وحصل ما بشر به القران الكريم  .. قال تعالـــى :( غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المـؤمنـون ) الروم - آية(2-4).
    بالاضافة الى أن القرآن الكريم بين حقائق الكون الغائبة عن الانسان ، فجاءت الكشوفات العلمية الحديثة مؤيدة له : حيث كشف علم الفلك بأن النجوم تبعد عن بعضها البعض مسافات شاسعة تقاس بآلاف السنوات الضوئية ، والتي تعادل ملايين الملايين من الكيلومترات فقال تعالى : ( فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) الواقعة / آية75-76... كما بين العلم بأن الكون يتوسع ويتمدد قال تعـالــى :( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون )الذاريات/ آية47 ... واثبت علم الارصاد بأن إرسال الرياح هو سبب إثارة السحب ونزول المطر ، قال تعالى (( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خـــلاله .....)) الروم/ آية48... وتوصل الانسان الى اختلاف الضغط الجوي عند الارتفاع عن سطح الارض بالطيران ، فيقل الاوكسجين فيضيق صدر الانسان  قال تعالى :(...ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء .... )الانعام/ آية125.. وغيرها من الاسرار العلمية التي لم تكن معروفة  وقت نزول الوحي ... هذه الحقائق الكونية دفعت الكثير من المكتشفين والعلماء الغربيين الى الايمان بصدق الاسلام كرسالة سماوية، بل وإعتنقه عدد منهم ، وبهذا غدا القران الكريم إعجاز متجدد متعاظم الى يوم يبعثون يدعو ذوي العقول النيرة إليه .
    إن رجلا أميا في بيئة عربية قبلية متخلفة علميا عن بقية الشعوب ، يأتي بكتاب سماوي يحوي كل هذه الحقائق العلمية وغيرها مما لم يستطع الانسان الوصول إليه الا في القرن العشرين ، له دليل قاطع لكل ذي عقل على أنه وحي إلهي  أعجز أهل الارض قبل أكثر من1400 سنة واذهل علماء العصر الحديث ، بما كشفه ويكتشفه العلم الحديث مما هو موجود في القران الكريم  كتاب السماء الخالد .. إنه الدليل الساطع على القدرة الالهية المبدعة التي  بينت مدى التوافق بين الدين والعلم فعززت جانبي الحياة الروحية والمادية  في الفكر الانساني وأيقظته  من سبات الشك والجهل والخرافة ، ونقلته الى عالم الايمان والنور والحكمة التي لاتبلى ولايخفت ضياؤها على مر الدهور .
نشرت في جريدة فتى العراق – العدد231- بتاريخ18/9/2008م